الشيخ محمد الصادقي
87
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ولا تدافع بين الآيتين رغم ما قيل ، فآية الأنفال تنهى عن الأسر قبل الإثخان ، وهذه تأمر بالأسر بعد الإثخان ، ولقد نقم بعض الطامعين الطامحين رسول الهدى لماذا لا يكون له اسرى ننتفع بها قبل أن يثخن في الأرض ، فتقل الأسرى وبعد ما نخسر من قتلانا بغية الإثخان ، فجاء الجواب الناقم الحاسم : « وَما كانَ لِنَبِيٍّ . . » فحروب الأنبياء لا تعني غنائم الأموال والنفوس وتفتّح البلاد ، وإنما تفتح القلوب أو دفع الأخطار عن ساحة الإسلام ، وإنما شوكة الإيمان ونهكة الكفر ، لا استغلالها لتجارة الغنائم والأسرى ، ولمن يخسرون المعارك لصالح الكفار ، الذين يهاجمونهم قبل انتهاك قواهم فيقتلونهم ويرجعون أسراهم ، فهذه انتفاضة خاسرة تستوجب العذاب العظيم في الدنيا وفي الآخرة ، وانما هي فقط : « أن يثخن في الأرض » : « فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ » ثم ماذا بعد الإثخان والوثاق » ؟ : « فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً » ويا لها من جملة جميلة فريدة في القرآن تحمل أجمل المواجهات لأخطر الأعداء وبعد إثخانهم ، عند القدرة والسيطرة الحاسمة لجنود الإسلام عليهم ، فشدّ وثاقهم بأسر ، أفبعد هذا وذاك فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وبتسريحهم وتحريرهم دون مقابل ، ولا بأسرى المسلمين ، الذين هم في أيديهم وطبعا معذبون ؟ اجل ! ولكي يستفيقوا من غفوتهم وغفلتهم لو كان لهم ضمير ، فيهتدوا إلى هدى الإسلام ، التي هي البغية الأولى والأخيرة ، وإذا لا يستحقون هكذا من - وعندما لا يؤمل خيرهم - فالشق الأخير : وَإِمَّا فِداءً : ايّ فداء : بتحرير مقابل من أسرى المسلمين إن كانوا « 1 » ، أم أخذ مال ، أم ولا أقل : أخذ ميثاق وثيق ألا يرجعوا للحرب ، أو يتجسسوا لصالح كتلة الفساد ، أو
--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 46 - اخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين ان النبي ( ص ) فادى رجلين من أصحابه برجلين من المشركين أسروا .